وحتى نلتقي..."اوراق اجتماعية-سياسية"
الاسلوب هو ان تقول شيئامعقدابشكل بسيط, لا ان تقول شيئابسيطابشكل معقد. -فوكو-
الإثنين,تشرين الأول 15, 2007


  بقلم: ذ. يحيى اليحياوي  

بمقال لنا كتبناه بأعقاب اعتماد "الدستور العراقي الدائم" لمبدأ الفيدرالية، قلنا بالواضح الصريح، إن هذه الوثيقة لا تحمل بين طياتها، ولا يمكن أن تحمل ببذورها "نبوءة" نمط في الحكم غير ممركز، منصف للأقليات والعرقيات والمذاهب المختلفة، بقدر ما هي حمالة لنذر تقسيم قسري قادم، لن تكون الوثيقة إياها إلا المسوغ الناعم لفصوله وأدق تفاصيله.

وقلنا في حينه، إن الأكراد بالشمال متماهون مع مشروع الوثيقة أيما يكن التماهي، لا بل إنهم أعدوا لتنفيذها العدة والعتاد، فأكملوها بجيش من ميليشيا البشمركة شبه مكتمل المفاصل، بمجال جغرافي مضبوط الحدود والتضاريس، بعلم جديد لهم مزركش الألوان، يرفرف من تاريخه فوق مرافق "الدولة الناشئة" ومن على سطوح مصالحها الإدارية، وب"حكومة" تتصرف بالشأن العام كما لو أنها حقا وحقيقة حكومة قائمة البنيان.

وقلنا في حينه أيضا، إن شيعة الجنوب والوسط (أقصد أحزابهم وشيعهم وولاة أمرهم الدينيين) لا يمانعون في اعتماد الفيدرالية قلبا وقالبا كما وردت بالوثيقة، بل يجاهرون بأنها هي المدخل القمين لرفع "مظلومية" أكثر من ثلاثة عقود من الزمن، "صال طيلتها السنة وجالوا" على مستوى الاستئثار بالسلطة، كما على مستوى احتكار مصادر الثروة والسلاح.

وقلنا، بجانب كل هذا وذاك، بأن الذين يتخوفون من الفيدرالية وتداعياتها على مستقبل العراق ووحدته، إنما هم أبناء الطائفة السنية التي ذاقت الأمرين منذ مارس 2003 على يد الاحتلال، كما على يد أبناء من طينتهم، "صبروا على الظلم والضيم لسنين طويلة"، فضمروا لهم الثأر، إلى أن واتتهم الظروف لأخذه على مذبحة القتل والتهجير والنفي وهتك الأعراض واستباحة الحرمات.

وعلى الرغم من أن الاحتلال الأمريكي لم يكن يوما في عجلة من أمره بإزاء تجسيد الفيدرالية (وهي صنيعته بكل المقاييس)، على اعتبار "تعثر العملية السياسية"، وتزايد منسوب "العنف الطائفي والمذهبي"، فإن كل سلوكاته كانت تنم عن توجه من لدنه ثابت لفصل المناطق والجهات وعزلها عن بعضها البعض، بغرض تخفيف الخسائر المادية بالميدان، والخلوص صوبا بناحية ترتيب مرحلة ما بعد الانسحاب.

 موهم بالقطع هنا، من يتصور أن انسحاب الأمريكان من العراق سيكون دون ترتيبات عسكرية على شكل قواعد دائمة بعين المكان، أو سياسية تضمن لهم "حكاما" ببلاد الرافدين طيعين، لينين، يأتمرون بأوامر البيت الأبيض دونما تمنع، ويتساوقون مع مشاريعهم بالمنطقة دون ممانعة.

 وموهم بالقطع أيضا، من كان أو لا يزال يعتقد بأن التواجد الأمريكي بالعراق سيبقى إلى ما لا نهاية بصيغته الخشنة الحالية، أو بصيغ أقل خشونة بالمستقبل. إنهم سيرحلون حتما من هناك بحكم أمر واقع أنهكتهم المقاومة بظله، أو بفعل إكراهات المعارضة لتواجدهم هناك، بالداخل الأمريكي، كما ببلدان الجوار، كما بالعالم أجمع.

وعلى هذا الأساس، فإن مشروع مجلس الشيوخ الأمريكي بتقسيم العراق إلى ثلاث دويلات، إنما يندرج ضمن سياق دفع وإغراء الرئيس الأمريكي للجوء إلى الكي كآخر دواء، ما دامت كل سبل العلاج "المقترحة" عليه قد اصطدمت "بتعنته"، لدرجة استخدامه الفيتو الرئاسي لإبطالها، أو إشهاره له بوجه مشاريع أخرى لا تستهويه كثيرا، أو لا تلقى استحسان واستلطاف الصقور من بين أركان إدارته.

وإذا كان المشروع إياه ("الغير ملزم" للرئيس) يشي بأنه لا فارق يذكر فيما بين الحزبين الكبيرين بأمريكا، فيما يخص التواجد العسكري بالعراق وبالمنطقة عموما، اللهم إلا فارق الصيغة وحجم ذات التواجد، فإنه يشي بالآن ذاته، بأن ثمة توزيعا للأدوار بين الكونغرس والرئيس، يبدأ غالبا بالترويج لفكرة ما قائمة، وقياس مدى تجاوب الأطراف معها، حتى إذا اختمرت وترسخت بالأذهان ونفذت إلى القلوب، يعمد إلى تنفيذها بكل ما تأتى من قوة.

من هنا، فإن تمنع بوش الظاهري في تبني مشروع التقسيم المقترح (بصيغة الفيدرالية كما بوثيقة الدستور، أو بصيغة الكونفدرالية فيما بعد بإطار اتحاد هاشمي، يضم الأردن وأراضي السلطة الفلسطينية، إلى جانب دويلات العراق) لا يخرج عن نطاق الادعاء والمزايدة، بل هو من صميم الإيحاء بأن الرئيس مفوض من لدن نواب الأمة لإعمال عناصر ذات المشروع متى ارتأى ذلك، ليتسنى الحسم بعده في موضوع الانسحاب الذي يراهن الديموقراطيون على رافعته برئاسيات العام 2008.

إن مكامن الخطر في مشروع تقسيم العراق كما "اقترحه" مجلس الشيوخ الأمريكي أواخر شتنبر الماضي، لا تكمن فقط في عبثية أن تقرر دولة ما في مصير دولة أخرى، فترهنها أو تقطع أوصالها على أسس بدائية. إن الخطر فيه بالبداية وبالمحصلة النهائية، إنما مدى قابلية العراقيين (أحزابا ومللا ونحلا، وليس تبنيا شعبيا) على التعامل معه بالقبول غير المشروط، أو بالتحفظ المحتشم، أو على خلفية من ربطه بضمانات مسبقة:

+ فالأكراد سارعوا للترحيب به (بالمشروع أعني)، واعتبروا مناهضته مناهضة "لروح" دستور تم اعتماده بالتوافق، و"تبناه الشعب" فضلا عن ذلك، لا بل إنهم تحاملوا على "الحكومة" في تحفظها على المشروع، واعتبروا موقفها خروجا على الالتزام، وارتدادا على ما تم حسمه واعتماده.

لم يكتف الأكراد بذلك، هم الذين لا سلطة "للدولة المركزية" عليهم تذكر منذ مدة بعيدة، بل كانوا السباقين إلى تنفيذ بنوده، بتقوية مفاصل "دولتهم"، والإمعان في تسريع وتيرة إفراغ كركوك من سكانها العرب، وتحييد اللغة العربية من التداول وبالإعلام، وتوقيع عقود للنفط مع شركات أجنبية عدة دونما استئذان من "المركز".

+ والشيعة بالجنوب بدورهم رحبوا بمسودة المشروع، واعتبروا منطوقها متطابقا مع صيغة الفيدرالية المعتمدة ب"الدستور"، وطالبوا فضلا عن ذلك، بتسريع تفعيل بنود إنشاء المحافظات والأقاليم، لكن (يقول هؤلاء) "دونما أن يكون ذلك على أساس طائفي أو عرقي".

من مفارقات الأمور حقا هنا، أن يرفض المجلس الإسلامي الأعلى وحزب الدعوة ارتكاز "منظومة الأقاليم" على أساس طائفي وعرقي، في حين أنهم يعلمون علم اليقين أنهم هم من كان رائدا لذات الأساس، وهم الذين رفعوا منذ اليوم الأول لدخول الاحتلال، لواء "تشكيل إقليم شيعي يتمتع بالحكم الذاتي، في جنوب ووسط العراق".

+ أما الأحزاب السنية المشاركة بالعملية السياسية والدائرة بفلك الاحتلال، فرفضت المشروع لدرجة "التنديد"، ليس من باب التخوف على مستقبل ووحدة العراق (وهم بكل الأحوال غير قادرين على التأثير في حاضره)، بل من باب الخشية من الإقصاء، وتخوفا من هزالة حصة ما سيتحصلون عليه من مغنمة التقسيم. 

كل الأطياف إذن تماهت مع المشروع المطروح، ومن تحفظ عليه ضمنهم، فللتوكيد من لدنه على ضرورة وضع ترتيبات تضمن له الظفر ببعض من السلطة أو الثروة، أو ببعض منهما معا.

ليس من المبالغة في شيء القول هنا بأن المقاومة العراقية (برافديها العسكري والسياسي) هي الوحيدة التي ترفع العصيان المطلق بوجه ذات المشروع. هي لا تفعل ذلك من باب الحساب التكتيكي الآني والعابر، بل وتعتبر خيار وحدة العراق الخيار الوحيد والأوحد، وما سواه قابل للتداول عندما يرحل الاحتلال، ويتحرر البلد.

من هنا، فلو تم للأمريكان ضمان القابلية على التقسيم من لدن هذه الجهة أو تلك، فإنهم لن يستطيعوا حتما استنباتها من بين ظهراني مقاومة، تدرك جيدا أن هؤلاء لن يرحلوا إلا بعدما يتسنى لهم تهديم البيت من على رؤوس قاطنيه، كل قاطنيه.

صحيح أن الأمريكان لن يعمدوا إلى ذلك إلا بعدما "يرتبوا أوراقهم" مع إيران وتركيا ويحيدوا سوريا. وصحيح أنهم لن يجازفوا بالرحيل إلا حينما يبنوا لحلفائهم القدامى والجدد بالعراق، بيوتا على منوالهم، تأويهم من خوف وتطعمهم من جوع.

لكن الثابت لحد الساعة، أن كل ما خطط له الأمريكان ببلاد الرافدين آل للفشل. وبقدر ما لم يستقبلهم العراقيون بالترحاب والورود، وهم يدخلون بلادهم وقد كانت وحدة موحدة، فإنهم بالقطع لن يستقبلوا مشاريعهم بالورود والترحاب، سيما وهي تعمد إلى تدمير ما تبقى من وطن لهم، ظل موحدا ولآلاف السنين.

                      عن موقع الكاتب.